الدم
الأرض تكرهني
ترفض أن تشرب قطرة مني
تفضل عليّ الماء
لأنه يضاجعها، وتحبل.
لا أغار منه
أضحك
، وهو يستنزف نفسه،
وأقول:
"سيجيء يوم
وتصير الحياة لي وحدي.
وأسقي الناس والعصافير والأشجار".
أنا في الصحاري الواسعة
، حيث لا يجرؤ هو على الاقتراب منها،
على فم الأسد
الذي يفترس الغزال.
في ساحات الإعدام
حين يطلب المتهمون
شربة منه
ولا يجدونه
بينما أتدفق كنافورة
من صدورهم.
ليس صحيحًا
أنه كان خائفًا من الحرس.
لأنه كان يمكن أن يسيل
في هيئة مطر
ويسقي المسيح على الصليب.
أنا الذي نزفت
، من موضع الشوك في رأسه،
وبللت شفتيه.
تفجرت صارخًا
على وِركي بنت
اغتصبها صاحب الحقل
وهي تجمع الأزهار الرخيصة
من البرسيم
لكنه
أسرع
وغسل أثري.
لو يتغير، يفسد
أما أنا فهيئاتي عديدة
بريء في خدود الأطفال
عاهر على مؤخرات اللوطيين
طاهر على ملابس الشهداء
كافر في اليد مقطوعة الشريان
فرِح على أسرة العرائس
وذليل على أصابع الخادمة
التي تقشر البصل
في المطبخ.
إن كنت عليلاً
، على البلاط،
في غرفة العجوز المسلولة
التي تقتل الوحدة
بصوت كُحّتها،
فأنا قوي و وفير
في جسد الشاب
الذي يتبرع بي
لجسد تحت العجلات.
لا أريد أن أتدنى في الكلام
وأقول:
"أنا لي بنوك باسمي
والناس يبولون فيه، في الأنهار".
لا يؤثر فيّ
أن تنزف الأمهات بغزارة
في لحظات الولادة
لأن أطفالهن
ليسوا سوى زجاجات جديدة
معبأة بي.
بقائي في إراقتي
لأن القتلة
يقتلون
لأجل أن يدافعوا عني
في أجسادهم.
حتى الأجساد التي تموت
ميتات طبيعية
لا أُدفن معها.
لست أهرب منها
، كما يشاع عني،
بل أشِف
وأطير
، في الأعالي،
مع الروح.
الحب
صبي
صفعه أبوه
فهرب من المنزل.
لم يتسول.
يمسح
، بكُمّ قميصه،
زجاج العربات
وينام في الحدائق.
لا يفكر في العودة مطلقًا.
لكنه
أحيانًا
، في الليل،
ينتظر مدمني البانجو
إلى أن يغيبوا عن الوعي
ويندس بينهم
ربما يمرر أحدهم يده
، برفق،
على رأسه.
أب
كبر
تهدل جلده
لم يعد يقدر على الذهاب للحمّام.
كراهيته
، التي حافظ عليها من الزمن،
لم تشِخ معه.
صارت قوية وناضجة
وحين يموت
سيرثها أبناؤه.
أم
تمشي
، طول اليوم،
حافية.
لا تكف أبدًا عن الصراخ في الدجاج.
قوية
ومرعبة.
نفس القصة تتكرر
وبنفس التفاصيل:
ابنتها توسخ ملابسها
وهي تضربها بعنف.
لقد صبرَت طويلاً
في انتظار دورها.
راهب
"في يوم ما طُرِد راهب من الدير لأنه لمس يد امرأة. واحتج الراهب:
ولكنها امرأة ورعة و يدها نقية.
فأجابه الأب الكبير: إن المطر نقي أيضًا وكذلك الأرض،
ولكنهما حين يجتمعان يصبحان طينًا."
لكن
أيها الاب الكبير
، الأب الجاهل،
إنه الطين
الذي لولاه
ما كانت تفاحة ولا وردة.
الطين
الذي لم يجد الله أنظف منه
ليغمس فيه يده
ويخلق الإنسان.
جروبّي
أجلس في ركن
رأسي بين يديّ
وأنتظركِ.
فجأة يدخل أبي وأمي
بوجهين متسخين
بالعرق والتراب
وأرْجل تلبس أحذية من طين.
يفر الجالسون
ويحاول الجرسونات طردهما.
أقوم بلهفة
أضع بقايا الجاتوه للإوزات
وأربط البهائم في الكراسي.
أُجلسهما أمامي
وأنظر لهما في صمت.
هزيلان
وذليلان.
كلما حاول أحدهما
أن يرفع فنجانه
يده المرتعشة تدلق الشاي
على ملابسه.
الخلود
فنان أكبر من البحر
ظل يرسم
طول عمره
دون أن يقول له أحد:
"أنت جيد"
أبدًا.
في أيامه الأخيرة
كان متوترًا جدًا.
حاول أن يهاجر
لكنه لم يكن معه
الأموال اللازمة لنقل لوحاته.
"عندهم حق
لا بد للفنان أن يكون مجنونًا".
قال لنفسه و هو يشرب الألوان
، جرعات طويلة،
بدلاً من القهوة.
حاول أيضًا أن يقص أذنه
لكن يده لم تطاوعه
فاكتفى بقص أظفاره
وجار
، قليلاً،
على اللحم.
"إن لم يكتشفوني سأحرقها".
ثمّ كوم أطنان اللوحات
وجهز البنزين والنار.
انتظر، وانتظر
لكن لا أحد طرق الباب واكتشفه أبدًا.
كان سيحرقها فعلاً
لكنه سمع التاريخ
، بأذنه التي لم يقصها لحسن الحظ،
يحذّره من إهدار ثروة قومية.
"عمري ضااااع
ضااااع ضااااع".
الجيران شهدوا أنهم سمعوا
صرخات كهذه
في الليل
مع خبطات عنيفة
على جدران غرفته.
"هذه أحسن طريقة لكي ينتبهوا".
صحا مبكرًا
وعلى وجهه ابتسامة كبيرة.
أخذ نفسًا عميقًا
وفرك يديه
ثم قفز
، بخفة طائر،
من الشبّاك.
توقّف قليلاً
، في الفضاء،
يتخيل المجد الذي ينتظره
وصرخ صرخة هيستيرية
من الفرح
وسقط.
لكن لا أحد قال:
"إنه جيد"
أبدًا.
لا أحد
، حتى،
انتبه
، وهم يلمون لحمه،
إلى الورود
التي كان يرسمها دمه
على الملاءة البيضاء.
قصر قديم
أخطأ
وقاوم بعنف
إلى أن مل منه الماضي
فمضى وتركه وحيدًا.
كلما يتذكر غلطته
يسح من شروخه
قطرات رطوبة حارة
في وقت
لم يعد ينفع فيه الندم.
العمارات العالية
تعكس الشمس في وجهه
بنوافذ الألومنيوم
والمارة ينظرون إليه
في دهشة
كأنه فلاح
دخل بالجلباب للأوبرا.
يطل على شارعين طويلين
كقتيل
يفرد ذراعيه على اتساعهما
وحين يقترب أحد تجاه سوره
يشد ملابسه
ليبقى
، بعض الوقت،
إلى جواره.
في الليل
كل نجمة تتخفى وراء الأخرى
مرعوبة
من أن تجيء ورديتها
في سمائه
أما هو فيطفئ أنواره
ويظل يرتعش في الظلام
خائفًا من أن يقول له شرطي:
"قف و أرني البطاقة
ماذا تفعل هنا في هذا الوقت
وبهذه الهيئة الغريبة؟".
الموت
الحكايات عني لا تنتهي
لكن
لا أحد يستطيع تفسيري أبدًا.
لكي تعرف حقيقتي
لا بد أن تجربني.
العجائز
المذعورون في الأركان
أتركهم ليموتوا وحدهم.
لا أنقص من مهابتي
وأنشب فيهم أظفاري.
زرت منذ قليل
غرفة لوطي
على السطوح.
كان مستلقيًا فوق بطنه
حتى و هو يتنفس أنفاسه الأخيرة!
ظل يهذي بكلام
عن أنه كان يلعب مع فراشة
بين الأزهار
لم يكن يعرف
أنها تصطاد الأطفال
لعامل الحديقة
استدرجَتْه
، بألوانها الزاهية،
وألقته فوق ركبتيه.
اضطررتُ لتنظيف روحه
قبل أن تقف
بين يدي الله.
لم انم
، ليلة أمس،
من القلق.
الكلام كثير هذه الأيام
عن أنني لم يعد لي
نفس الهلع القديم
في القلوب.
هدمت بيتًا على رؤوس سكانه.
صدمت عربتين
ومزقت أجساد ركابهما.
(وضعت رأس رجل
على جسد امرأة
وركّبت قلب طفل
بدلاً من الموتور.)
أغرقتُ سفينة.
فجّرت أنبوبة الغاز في أم
تجهز العشاء للأطفال
وأبدتُ أسرتين في مشاجرة
لا لشيء
إلا لأن قطرة ماء
سقطت من الشرفة العليا
على الغسيل
في الشرفة السفلى.
طفلة جميلة
، ما لأبيها وأمها سواها،
خلطتُ في عينيها
بين زجاجة الماء
وزجاجة السم
وأجبرت شابًا على خنق حبيبته
وهو يدلّك رقبتها
في الحديقة.
لا أحد يفلت مني.
ولا التراب.
إنه لا يغير معالم وجهه
، بين وقت وآخر،
ويشعل الحروب بين الدول
محبة فيّ
لكن ليأكل أجساد القتلى.
بنحر البحر
أحز رقبته.
كان عليَّ
في ذروة انشغالي بقنبلة هيروشيما
ألا أنسى
إنهاء حياة كلب صغير
يلعق الماء من ترعة
في الطرف الآخر
من العالم!
الشعراء أعدائي
لأنهم يحاولون تجميل الحياة.
خرقت قلب لوركا برصاصة
ودلقت منه دمه و أشعاره.
آرثور رامبو أيضًا.
عثرت عليه
، بعد اثنتي عشرة سنة،
مختبئًا مني في أحراش أفريقيا.
كان جالسًا تحت شجرة شوك
يعد فرنكاته الذهبية
في ظهيرة حارقة.
لم أهجم عليه على الفور.
قطعت ساقه
، التي لف بها العالم ثلاث مرات،
ووقفت أتلذذ بمنظره.
ظل جسده النحيل
ينتفض بعنف
، فوق نقالة،
من الحمى.
يا للولد آرثور!
يا لشعره الناعم!
يا لعينيه الرائعتين!
مذبحة المماليك في القلعة
واحدة من أعز ذكرياتي.
أن أجيء
وقت لا أحد يتوقعني!
الحراس أغلقوا الأبواب
وتركوني أشتغل على مهلي.
قاوموني بعنف.
كانوا قد أكلوا بشراهة
حتى أن السيوف
أخرجت دجاجات سليمة
من أحشائهم.
لا أزال أرى أمامي
زجاجات الخمر الفارغة
تعوم في دمهم.
آه
لا أريد أن أتذكر الماضي
كانت الأرواح
قوية
حالمة
سعيدة
واثقة في المستقبل.
ماذا حدث لتصبح ميتة
بهذا الشكل
مما يجعلني لا أشعر
بأي لذة في عملي؟
من يتصور أنني
، ضمن ألوف الأرواح
التي حصدتها في السنوات الأخيرة،
لم أعثر على روح واحدة
حرة
حرية حقيقية!
أنا خائف
-خذوني معكم أيها الأصدقاء
كل صداقة لها خيانة
هل تتحمل لو خدعناك؟
-خذيني معكِ أيتها القطط
أنت لك روح واحدة
ونحن لنا سبعة أرواح.
-أيتها العصافير
صوتك خشن، ولك ذراعان
ثم هل تسرق لتأكل
وتعيش عرضة للرصاص؟
-أيتها الكلاب
نحن نتمسح في أرجل
من يركلنا
ونضطر للعض أحيانًا.
-أيتها السمكة
ماء البحر ليس إلا دموعي
لقد افترست أبي وأمي وأخواتي.
-أيها القتلة
هل لا تزال تخفي وجهك
وأمك تذبح الدجاج؟
أسمع اللصوص يقولون:
"كنّا سنأخذه معنا، لكنه تصرف كغبي حين كان طفلاً.
وجد جنيهًا في الطريق، وظل يبحث أسبوعا عن صاحبه".
-خذيني معك أيتها المرأة
جئت متأخرًا، سامحني
أنا ذاهبة مع رجل آخر.
-يا أشجار
هل تظل واقفًا طول عمرك
تحارب في الريح؟
أقول:
"سأذهب مع الثعابين"
-خذيني معك أيتها الثعابين
سأجربك أولاً:
أقذف السم من لسانك
وغيّر جلدك أمامي.
-يا هواء
إيه، إيه؟
صوتك ضائع فيّ
ولا أسمعك أصلاً.
لا أقول:
"خذني يا ملاك الموت"
أعرف أنه سيقول لي:
"أنا لا أتصرف بنفسي
لا بد أن يأمرني الله".
أنا خائف - عماد أبو صالح
القاهرة - 1998