قبور واسعة | عماد أبو صالح




الشِّعر

هناك حكاية عن ملك، ظل على كرسي عرشه منذ عرف الناس الكلام. كان شابًا جميلاً لا يشيب أبدًا. رعاياه كانوا يحبونه. يحفّظون ما يقوله لأبنائهم، وينقشونه على حيطان منازلهم.
حدث أن الملك اغتر بقوته، وجلس وسط حراسه، يكرر في هذيانات من دون أي روح. لم يكن يسمع لأحد، سوى الأكَلة مجانًا، أفراد حاشيته. واحد من الرعية قال له يومًا وهو يطل من أعالي برجه:"أفِق يا مولاي" فقص لسانه ورماه في سرداب عميق.
الملوك الآخرون الذين كانوا يوسعون حدود ممالكهم هجموا عليه، ذات ليلة، وهو نصف مخمور في سريره الملكي. فرّقوا بينهم دمه ومملكته وتركوه كومة جلد وعظام.
لكَم هو مرعب شأن الزمن!
إذ يبدو أنه بعد كل هذا المجد، لن يكون له أي ذكر في المستقبل.
من وقت لآخر يصرخ شبحه: "مملكتي.. مملكتي"، غير أن صوته يضيع في ضجيج العالم.


أول خطوة

ما الذي في يدك يا أمي؟
اسمها السكين يا بنتي.
ماذا نفعل بها يا أمي؟
نقطع اللحم يا بنتي.
ما هو اللحم يا أمي؟
بقرة مذبوحة يا بنتي.
لماذا يذبحونها يا أمي؟
لكي يأكلوها يا بنتي.
ولماذا نأكل يا أمي؟
لنستمر في الحياة يا بنتي.
وما هي الحياة يا أمي؟
شيء عكس الموت يا بنتي.
وما هو الموت يا أمي؟
شخص ذبح شخصًا يا بنتي.
ولماذا ذبحه يا أمي؟
ليأكل نصيبه يا بنتي.
لمَ لا يأكل معه يا أمي؟

خذي قطتك و العبي يا بنتي.


ثورة

حدث
، يومًا،
أن ثار الناس
، على الملك،
في مدينة قديمة.

كان ملكًا ظالمًا.

"ديكتاتور"
كما نقول نحن
، في لغتنا،
في هذه الأيام.

هجمت جموع الشعب
في لحظة واحدة:
فلاحون بظهور محنية
(نفعت في حمل الأشخاص
الذين تسلقوا الأسوار)
وعمال مناجم
(كانوا الأقدر
على تحمل غبار الزحف)
ومتشردون
(حين قُتلوا، لم يكن لهم أهل
يعكرون فرحة النصر
ببكائهم)
وعاطلون عن العمل
(كأنهم كانوا يدخرون قوّتهم
طول السنين الماضية).

اللصوص
ثاروا بشرف
رغم أن أيديهم
كان يمكن أن تمتد بسهولة
لجيوب الثوار
في الزحام.
والمجانين
كسروا أبواب البيمارستانات
وتعالت حناجرهم
بهتافات هيستيرية
إذ أصبح جنونهم
، لأول مرة،
محل احترام حقيقي.

فقط
مرضى الجذام
انتهزوا الفرصة
وقبّلوا الناس
بشفاه متآكلة
لكن
لا أحد دفعهم بعيدًا
ولا بصق قبلاتهم.

متسولة
، برجل مقطوعة،
مكومة جنب حائط
صرخت فيهم و هي تغالب الدموع:
"إيه يا أولادي!
ألست ابنة هذا البلد؟
تخافون أن أوسخكم؟".
فتسابق ثلاثة شبان
(أي روح!)
لحملها فوق الأكتاف.

ربطتْ خرقة
، لئلا تكون عالة،
في عكازها
شاء الله أن تكون الراية الوحيدة
التي فشل في إسقاطها
رماة السهام!

مرت الثورة على حديقة
فجرفت معها الأشجار.

غير أن الأشجار
، وهي تسير معهم،
كانت تغني
، بعصافيرها،
أغنيات لأجل الحرية.

كانت ثورة مثل وحش
عانى سنوات طويلة
من الجوع.
أكلت
، في طريقها،
كلابًا و قططًا.
أكلت أطفالاً
حاولوا تقليد آبائهم
بسيوف خشبية.
أكلت ناسًا منها
حين اختل توازنهم
وسقطوا تحت الأقدام.

العجائز الطاعنون في السن
هم الذين امتنعوا عن المشاركة
في ذلك اليوم.
كانوا يبتسمون و يقولون:
"الملك!
نحن أيضًا كنا شنقناه
على شجرة ضخمة
في حديقة قصره".

كان المشهد هو نفسه.
كأن الزمن لم يمر.
حتى أن عجائز منهم
اختلط عليهم الأمر:
هل هم الذين يتفرجون في الشبابيك
بأيدٍ مرتعشة
أم الذين يصرعون الحراس
، هناك،
في مقدمة الصفوف؟


حرية

كل ليلة
، منذ سنين لا يعرف عددها،
يتكوم في ركن
، على البلاط،
ويحلم.

زملاؤه
، في الزنزانة،
يعاملونه بعنف
لأن ابتساماته المتقطعة
تبرق في الظلمة
وتقلق نومهم.
يركلونه بأرجلهم و يقولون:
"وراءنا تكسير أحجار في الصباح
كُف عن هذه السخافات
التي لا تتحقق أبدًا".

إنه لا يحلم أحلامًا كبيرة
كأن يدق باب البيت
ويقبّل أطفاله
فقط، يريد أن يشم دفقة هواء
لا تُدمِيها أسلاك السور
لحظة عبورها إليه.
أن يلمس هذه الشجرة
التي يتعلق في حديد النافذة
، بيديه النحيلتين،
ليراها.
أن يكلم الله
، وجهًا لوجه،
في فضاء واسع.

"سأخنقها وأريح نفسي
أنا أتعب في تربيتها
ثم تطير
، وحدها،
وتنساني".

يقول هذه الكلمات
من يأسه
لكن ما أن يجيء الليل
حتى يحلم مرة ثانية.

في يوم رأى الباب مفتوحًا.
لا بنادق
ولا كلاب
ولا حراس.
هو نفسه لم يكن يعرف
أكان ذلك حقيقة
أم في حلم!

فرد ذراعيه و جرى
جرى بأقصى ما لديه من سرعة
بما سمحت له مفاصله
التي أكلها الروماتيزم
لكنه
توقف فجأة.

كانت الشمس ساطعة
والسماء كبيرة
والحقول خضراء
أحس نفسه وحيدًا
وضائعًا
ومفضوحًا في النور.

ضرب قبضته في الهواء
وعاد
محني الرأس
وبخطوات بطيئة.

هناك
، عند الباب،
زملاؤه كانوا ينتظرونه
لم يسخروا منه
واحد أشعل له نصف سيجارة
وواحد ضربه بحنان على كتفه
وواحد أعطاه فأسًا و مقطفًا.

حتى سجناء الزنازن الأخرى
تظاهروا بأنهم لا يرونه
لئلا يشعر بالحرج.

على الجبل
، فوق،
لم يكن يراهم في الغبار
لكنه اكتشف
، لأول مرة،
أنهم يحضنونه بقوة
بالسلسلة التي في أرجلهم.
اكتشف أنه
، بدقات فأسه،
عازف إيقاع
يجعل غناءهم أكثر عذوبة.

في المساء
حملوا الفؤوس على الأكتاف
ومشوا كأي عمال
عائدين للبيت
من العمل.
كل عدة خطوات
يحكي أحدهم نكتة
وينفجرون ضاحكين.

الحراس
، بمرور الوقت،
تركوا الباب مفتوحًا
واثقين انهم لم يعودوا
يفكرون في الهرب.


حب

أميرة
، من زمان قديم،
قالت لأبيها الملك:
"سمعت ان هناك شيئًا
اسمه الحب
اشترِ لي منه".

هرش الملك ذقنه
ثم قال للحكيم:
"علِّم مولاتك الحب
أنا آمرك".

هذه رسالة يا مولاتي
(كان الحكيم يقول)
كتبها عاشق
، بدمه،
لحبيبته.
هذه قطة تنظف
، بلسانها،
فروة ابنتها.
هذه فراشة تحمل قبلة
من وردة لوردة.

أشار، يومًا، فجأة
وهو يمشي معها
، متنكرة،
في طرقات المدينة:
"انظري هذا الصياد
الصياد الفقير هناك
انظري.. انظري
يحضن امرأته
، في القارب،
تحت المطر".

صرخت فيه الأميرة:
"أنا تعبت، لا أريد أن أتعلمه
أريده جاهزًا، قل لي أين هو".
ابتسم الحكيم وقال:
"في القلب، يا مولاتي، في القلب".

الذي حدث
، هذه الليلة،
أنهم أقاموا في القصر
حفلة كبيرة.
كانت هناك قلوب مشقوقة
ورؤوس قطط
وورود تعوم في الدم.

وحدها
، الفراشة،
حاولت أن تفر.

أفلتت
، بجناحين مرتعشين،
وطارت لأعلى
لكن السياف أقفل الابواب
وفتّشها بظفره.

جسمها الرقيق
لم يكن يستحق
عناء ضربة سيف.

الأميرة
كانت جالسة على كرسيها الذهبي.
حولها الجواري يرقصن
وعبيد يصبون الخمرة.
تضحك وتقول للحكيم:
"انظر.. انظر
إنه وهْم.
سآمر بضرب عنقك
أنت أضعت وقتي
أنت كذبت عليَّ".


قتْل


قاتل


يدي حمراء.

إنه دم.

لم أكن أذبح دجاجة
ولا أفرط رمانة.

دم حقيقي.
دم شخص.
أنا قاتل.

لم أكن أعرفه.
كان نائمًا تحت شجرة
في حديقة.
يفرد ذراعيه على اتساعهما
ليحضن حبيبته في حلم.
تدخلتُ في اللحظة المناسبة
وغرزت فيه سكيني.

هو لم يصرخ
لكنني سمعت صرختها.

لم أتلفت ولم أفر.
مشيت بخطى واثقة
أتنفس بعمق
وأُصفِّر.

كأني قطعت قالب حلوى.
كأني قطفت وردة.


قتيل

مشى تجاهي والشمس ساطعة
ودلق دمي على النجيل.
يده لم تهتز.
لم ترتفع دقات قلبه.

كان رائعًا، أنا معجب به.

إلى أمي:
"كفى ولولة
جاراتك سيشمتن فيكِ".
إلى أخواتي:
"داروا أثداءكن
عيون المعزّين تتلصص عليها
من الأثواب المشقوقة".

أنا لم يكن لي
، في أي يوم،
حبيبة.
كنت أفرد ذراعيَّ لاستقبله.

لو كنت أستطيع أن أحرك يدي من الموت
لسلمت عليه بحرارة
مثل لاعبَين
في حلبة
بعد انتهاء السباق.
لو كنت أستطيع أن أحرك شفتيّ
لقلت له:
"هنيئة لك الحياة
أين كنت مختفيًا كل هذه السنين؟
أنا تعبت في البحث عنك لأقتلك".


حياة

تقول لي بنت أختي:
"ماذا كنت تحب أن تكون يا خالي
لو لم تكن جئت إلى الحياة إنسانًا؟".

نقطة ماء
يشربها العمال
، في الحر،
يا بنتي.
شمعة، أو بنبونة، أو وردة.
قطعة موسيقى
أيّ قطعة موسيقى
لكنْ لو شهرزاد لكارساكوف
كنت أفرح أكثر.

أغزغزها في بطنها
وأقول:
"نهدك أنتِ حين تكبرين قليلاً".

لا أخجل من أن أكون كلبًا
بشرط ألا أعقر اللص
أنبح عليه فقط
لأجل أن أخيفه.

نسيت أن أقول:
"أو الشوكة التي تحرس الوردة".

الصباح.
والظلامَ أيضًا.
لئلا اجرح الأعمى.
حشرة
لأنني سأمر بطور الفراشة.
دمعة
لأنني كما سأسيل في الحزن
سأسيل في الفرحة.
رائحة امرأة
لا زجاجة كولونيا.

آه
لماذا، يا ربي، لم تخلقني قُبلة؟!

لن أكذب عليكِ وأقول:
"أحب أن أكون نسمة
تتسلل من أسلاك الأسوار
للنائمين
، على البلاط،
في الزنازن".

هل ترضين أن أختنق أنا ايضًا؟
أن أمر في رئات فتتها السل؟
أن أرتكب جريمةَ
أن يتنفسوا ويعيشوا؟

لو أن هناك امرأة
غاب عنها حبيبها عمرها كله
لو تراكم التراب على شعرها
وهي جالسة
في انتظاره
لو غفت
، في يوم،
من التعب
لو دخل، فجأة، من الباب
لو أن على كتفه عصافير خضراء
لو كانت تغرد لتوقظها
لو أنها صحت
فلم تجده

كنت أحب أن أكون هذا الحلم.

ضحكةً
يضحكها قاتل
يداه ملطختان بالدم.
أريد أن أكون الصرخة
في فم من قتله أيضًا.

لأنه
بدون القتيل والقاتل
، يا بنتي،
لا تستمر الحياة.


تراب

ما عاد ترابَ الله
الذي خطى عليه آدم لأول مرة.
صار تراب الناس
الذين ذبحوا بعضهم لأجله.
هو مسحوق جماجم.

كيف لم ينتبهوا
وهم يدوسونه بجزمهم
أنه ليس أغلى من دمهم؟
ماذا كان سيحدث
لو سلّموا على بعضهم
على الحدود
وزرعوا القمح بدل الألغام
في المساحات الواسعة
التي يتقاتلون عليها
ثم ناموا قليلاً
وصحوا ليأكلوا سويًا؟

يقولون: "نحن نحرره"
ليبرروا حبهم لشرب الدم.

إنه يتنقل
، مثل طائر،
بين بلد وآخر
، مع الريح،
وهم لا يجرؤون
أن يتخطوا الأسوار التي بنوها
وسجنوا فيها أنفسهم.

"ترابهم"؟!
لا بد أنه يقهقه
(في شكل عاصفة)
حين يتوهمون أنهم يملكونه.

إن الأرض تدور
فيكون
، في ساعة الحرب،
في الجبهة الأخرى
بينما هم يدافعون باستماتة
، في جبهتهم،
عن تراب أعدائهم.

القتيل و القاتل
نائمان
، جنبًا إلى جنب،
في أعماقه.
بمرور الزمن
، حين يتحللان فيه،
ينتقل قلب أحدهما
مكان قلب الآخر
أو ربما يختلطان
وينبتان وردة واحدة.


ما يبقى

يقول علماء الآثار:
"نظر المصريون القدماء للرومان، كما نظروا للبطالمة من قبل. وهي نفس النظرة للملوك الفرس أيضًا. لم يكونوا، كلهم، سوى أُسَر جديدة من الفراعنة الغرباء".

يقولون أيضًا:
"إن الإمبراطور تيبيريوس نفسه، وبّخ حاكم مصر حين حصّل لروما، ضرائب تزيد عن الحصة المحددة. أرسل له رسالة يقول فيها: أريد أن يُجزّ صوف شياهي لا أن تُسلخ جلودها أحياء".

ولقد عُثر على بقايا بردية من عام 163 ميلادية، كتب فيها رجل يدعى نيْجر:
"...........................................وهكذا حيث إن الأضرار التي أصابتني عظيمة ونظرًا لأنني روماني عانى عدم الاحترام على يد مصري فإنني أرجو..................................................................."

أكرر قراءة هذه الشكوى
وأتأمل ما يحفظه الزمن.
كأنه يريد أن يقول:
"التفاصيل زائلة
ما يبقى هو أن شخصًا ما
سيُعاقب بطريقة ما
لأنه اتُّهِم بفعل شيء ما".


آه

في فم خادمة
شكّتها الإبرة
وهي ترفو قميص سيدها.
في فم السيد نفسه
، ربما في نفس اللحظة،
نعِس
دون أن يطفئ سيجارته.

لو لم ندقق، ستختلط علينا:
هل هي من شاب في غرفة التعذيب
أم المغني في صالة الديسكو؟
من سرير المرض
أم سرير اللذة؟

هي في فم طفل أضاع ثمن الحلوى
كما في فم تاجر
خسر ملايينه في صفقة.
من سلك عارٍ في جهاز كومبيوتر
في أوروبا
كما من لدغة ثعبان
في أدغال أفريقيا.

إن خرجت ضعيفة ومتقطعة
من رجل
ينصر، بموته، الموت
فهي عالية ومرعبة
من امرأة
تلد لترمم الحياة.


آخر خطوة

طردوه
، بعد كل هذه السنين،
من العمل معهم.

لم يتوسل لهم.
ألقى نظرة أخيرة
على القارب
، في الفجر،
ورحل.

صاحب الكافتيريا كان يقول لنفسه:
"عامل جيد رغم كبر سنه"
وهو يتأمل براعته
في غسيل البلاط.

ماء كثير
رغوة صابون وفيرة
(كالزَّبد تمامًا)
ثم يطوِّح
، في الهواء،
قطعة من شِوال قديم
ويسحبها بخفة.

لا أسماك
لكن مناديل ورقية و أعقاب سجائر
وربما
، قبل أن ينتهي العمر،
تخرج الشبكة بخاتم صغير.


فمي

الذي لكمه أبي وأمي والمدرسون والأطفال. الذي أخجل، حين أفتحه، من تشوّه أسناني. الذي مل من الأكل والبصق والضحكات. الذي، كإناء، يتلقى دموعي. الذي لم يقبّل امرأة، في تاريخه، أبدًا. الذي حين ينطق كلمة، تجيء في غير موضعها.



 
قبور واسعة - عماد أبو صالح

القاهرة - صيف 1999